عيد الغطاس، سنة أ
11 كانون الثاني 2026
(متى ٢، ١–١٢)
إنجيل عيد الظهور الإلهي يُثير في داخلنا ذات السؤال الذي دفع المجوس إلى الانطلاق في رحلتهم: «أين هو المولود؟» (متى 2: 2).
بما أنّ يسوع قد وُلد في بيت لحم (متى 2: 1) ، استطاع المجوس أن يطرحوا هذا السؤال وأن يبدؤوا بحثهم. أمّا لو لم يكن يسوع قد وُلد، لو لم يحلِ الله بيننا، لما كان لهذا السؤال معنى ولا جواب وكان طرحه عبثًا.لكن الله هو حقًّا عِمَّانوئيل، الله معنا، وفي إنجيل اليوم (متى 3: 13–17) يمكننا أن نبدأ في العثور على إجابة لهذا السؤال: أين هو المولود؟
تبدأ القصة بموقف مفاجئ: «في ذلِكَ الوَقْت ظَهَرَ يسوع وقَد أَتى مِنَ الجَليلِ إِلى الأُردُنّ، قاصِدًا يُوحنَّا لِيَعتَمِدَ عن يَدِه» (متى 3: 13). ينزل يسوع من الجليل إلى الأردن، وينزل إلى صفوف الخطأة، ينزل إلى المياه التي تحمل ثِقل خطايا الآخرين وتوبتهم. إنّه نزول لا يحمل طابعًا استعراضيًا، بل حركة تضامن صامتة. ينزل إلى نهر الأردن دون ضجة، لا يحمل شيئًا ليُظهره، ولا شيئًا ليطالب به، بل يحمل ذاته فقط، مسلَّمًا نفسه للآب ومتضامنًا مع البشريّة.
إنه إله لا يهرب من المياه التي أثقلها الآخرون، إنه إله يدخل إلى حيث نحن.
إذن، ها هو المولود: الابن يسمح بأن يُقاد إلى المكان الذي يريده الآب.
لا يستطيع يوحنّا أن يفهم ما الذي يحدث («أَنا أَحتاجُ إِلى الاِعتِمَادِ عن يَدِكَ، أَوَأَنتَ تَأتي إِليَّ؟» – متى 3: 14)، فما يجري يقلب منطقه الديني الصارم رأسًا على عقب، في رأيه، يتعارض ذلك الموضع مع حضور الله. لكن جواب يسوع بسيط: «دَعْني الآنَ » (متى 3: 15). إنها كلمة لا تفرض، ولا تشرح كل شيء، ولا تحل المشكلة: إنها تطلب فقط مساحة، وتترك الإجابة مفتوحة.
هذه الإجابة، ”دع الأمر“، هي إجابة مهمة: لا يتعلق الأمر بفعل المزيد، أو فعل الأفضل، بل بترك الأمر، وترك الله يعمل فينا ما يشاء، أي أن نكون أبناءً محبوبين كما هو محبوب الابن الذي رضية عنه (مت 3: 17).
عندما يصل يسوع إلى أدنى نقطة (مكان المعمودية هو أدنى نقطة على الأرض)، تنفتح السموات (مت 3: 16). لا تنفتح عندما يقوم بعمل استثنائي، بل عندما ينزل، عندما يسمح بأن يُقاد.
وعندئذٍ يحدث أمران: يرى يسوع الروح ينزل عليه (متى 3: 16)، ثم يسمع صوت الآب يعلنه ابنه الحبيب: « فرأَى رُوحَ اللهِ يَهبِطُ كأَنَّه حَمامةٌ ويَنزِلُ علَيه. وإِذا صَوتٌ مِنَ السَّمَواتِ يقول: «هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضِيت». » (متى 3: 16–17).
لم نعد نجد يسوع وحده، بل نجد معه الآب والروح أيضًا، وكلّهم منخرطون في الحركة نفسها، حركة النزول: الروح ينزل، وصوت الآب ينزل.
وثمّة ملاحظة أخرى مهمّة: الروح ينزل بعد أن دخل يسوع إلى المياه، لا قبل ذلك. لا ينزل ليقنعه ولا ليسنده، بل يأتي جوابًا على اتضاعه، متضامنًا معه وبمعيّته. الروح يكشف ما هو عليه يسوع: الابن الذي ينزل إلى أعماق الإنسانيّة، الابن الذي يعيش طاعة كاملة للآب، الابن الذي يترك الأمور تتمّ.
ينزل الروح كأنه حمامة (متى 3: 16): وليس ذلك رمز شكلي، بل إعلانًا بأنّ الله لا يقتحم ولا يجتاح. الروح وديع، لا ينزل إلا حيث يجد مكانًا، ولا يمكث إلا حيث توجد الثقة.
الله شركة يهب ذاته، لا قوّة تفرض نفسها.وأخيرًا، تنفتح السماوات لكي يعلن الآب كلمة عن الابن: «هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيبُ الَّذي عَنه رَضِيت » (متى 3: 17).
يعبر صوت الآب السماوات وينزل، لا ليعطي أمرًا، بل ليمنح هويّة. لا يقول ما الذي ينبغي على يسوع أن يفعله، بل من هو. ويعبّر عن ذلك بكلمتين هما قلب كلّ إعلان: ابن وحبيب.
هاتان الكلمتان تسبقان كلّ عمل علني، تسبقان المعجزات والكرازة، لأنّ الهويّة تسبق الرسالة، ولأنّ المحبّة تسبق الفعل.ومن هنا ينطلق يسوع ليحمل إلى الجميع المحبّة نفسها التي أحبّه بها الآب.
وهذا أيضًا بالنسبة إلينا نقطة حاسمة: فالحياة المسيحيّة لا تنطلق من مهمّة، بل من صوت ينادينا محبوبين. وكلّ ما عدا ذلك هو جواب. ومن هنا تولد الرسالة: من هويّة مُعطاة، لا مُكتسَبة.
+بييرباتيستا
المصدر: البطريركية اللاتينية القدس