تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

مركزية يسوع المسيح في حياة بولس وعمله الرسولي وفي حياة الكهنة ورسالتهم

المنسنيور

المونسنيور خالد عكشة - "تعالوا هنا واستريحوا قليلا" (مرقس 6، 31)

قَبِلنا، إخوتي الأحباء، دعوة الكاهن الأعظم والأوحد، لنرتاح معه، وبه، ومعا، في بيت يحمل اسم أحد أسرار الفرح لسُبحة العذراء القديسة. ومن المصادفات السعيدة التي تُهدينا إياها العناية الإلهية أن نكون هنا في شهر الوردية، في أيامه الأخيرة.

"المعلم حاضر وهو يدعوكِ" (يوحنا 11، 28). كم أُحِب أن يعتبر كل منا نفسه مخاطَبا شخصيا بكلمات مرتا لأختها مريم! رياضتنا نعمة نشكر الله عليها ونجتهد جميعا في الاستفادة منها لخيرنا ولصالح القطيع الذي أقامنا السيد رعاة له (راجع 1 بطرس 5، 1-4) ، كلٌ بحسب دعوته ومسؤوليته.

قبلتُ دعوتكم لمرافقتكم في هذه الرياضة بعد تردد لا تخفى عليكم أسبابُه، ومع بعض خوف، على ما حدث للقديس بولس عندما همّ بتبشير أهل قورنتس (راجع 1 قورنتس 2، 2-4)، لكني قررت بنعمة الله أن أتخلى عن التردد وعن الخشية مِن أن لا يكون إسهامي على قدر توقعاتكم، لصالح أن أكون معكم في مشوار روحي مشترك.

شعرت بنداء محبة من قِبلكم، ومحبة بعضنا لبعص هي قوتنا وعزاؤنا وفرحنا، فأشكركم على محبتكم وثقتكم، وأعبّر عن سروري أن أكون بينكم، لألتقي مَن أعرفه منكم، ولأتعرف على الإخوة الذين لم أحظ بعدُ بمعرفتهم. أرى في التواصل بيننا، كهنة متقدمين في السن وكهنة شبانا، فائدة كبيرة، لا تقتصر على خبرة المتقدمين في السن والحكمة التي من المفروض أن تنتج عنها، بل تتعداها إلى النظر معا إلى بعض من الماضي، والتفكير المشترك حول الحاضر واستشراف المستقبل.    

لا أرى نفسي بينكم "واعظا"، إنما مشاركا إياكم بعض المعلومات والخواطر والخبرات عن الحياة الكهنوتية الرسولية. أجد نفسي كذلك ساعيا إلى استخراج القديم والجديد، على قدر المستطاع، على ما قال السيد له المجد (راجع متى 13، 52). هذا هو التوضيح الأول.

والأمر الثاني أنه يرافقنا في رياضتنا هذه بشكل خاص القديس بولس بمثاله وتعليمه، على ما اقترحتم. أرغب إذًا في مشاركتكم بما علق منه وعنه في الذهن والقلب، وكذلك بما درسته عنه.

في روما، حيث عاش بولس سنواته الأخيرة واستُشهد، صليت من أجلكم جميعا ومن أجل لقائنا هذا، كي يشفع لنا الرسول لنُحيي الموهبة الروحية التي كانت لنا بوضع الأيدي (راجع 2 طيموتاوس 1، 6)، مستلهمين سيرته البطولية وتعليمه النيّر. الغاية اذًا هي من ناحيتي "كلام جديد" قَدْر الإمكان، يخرج من القلب ويصل إلى القلب، حسب المقولة "القلب يتكلم إلى القلب" (cor ad cor loquitur)، وهو الشعار الذي اتخذه القديس جون هنري نيومان عندما عُيّن كردينالا.

وكونُنا تطرقنا أعلاه إلى شعار، أقترح عليكم أن يتخذ كل منا شعارا يوجز خبرته الروحية في هذه الأيام، ويرافقه حتى الرياضة القادمة، وإن أراد إلى ما بعدَ ذلك.

واستطرد لأعرّج على شعارات بعض القديسين. فكان شعار القديس يوحنا بوسكو: "أعطني النفوس وخذ الباقي"، وشعار تلميذه القديس دومينكو سافيو: "الموت ولا الخطيئة"، وشعار القديس البابا يوحنا بولس الثاني: "كلي لكِ"، وشعار الطوباوي كارلو أكوتيس: "الله، لا أنا" (Dio, non io). وهناك شعار لشخص قريب، أقلَّه بالنسبة للبعض منا، أعني المرحوم البطريرك يوسف بلترتي: "ليأت ملكوتك".

وملحوظة ثالثة: أضفت كلمة "رسولية" إلى الحياة الكهنوتية، تمييزا لنا عن الكهنة الذين لم يدعهم الله إلى الرسالة، بل إلى حياة العزلة والتأمل، مثل الترابيست والبندكتان وغيرهم. وهناك هدف آخر من هذه الإضافة: التذكير بأننا رسل السيد المسيح ، كما كان الحال بالنسبة لرسول الأمم ، مع اختلافات نعيها جميعا.

لنا، كما أعلمني أبونا عماد، ستة لقاءات، وقد تكون هناك حلقات نقاش. الأمر بيدكم، إنما من الأهمية بمكان أن يكون لنا وقت كافٍ لنختلي بأنفسنا وبالسيد الحاضر فينا وبيننا. واقترح كذلك أن ترافقنا رسائل القديس بولس في هذه الرياضة. من الممكن أن نقرأها من قصيرها إلى طويلها. وإذا اردتم مقترحا آخر، فيمكن أن يقتصر الأمر على الرسائل الرعائية، التي يمكن أن تُضاف إليها الرسالة الثانية إلى أهل قورنتس.

اسمحوا لي بمشاركتكم حدًا أدنى من المعلومات عن بولس ورسائله:

مكان ولادته: طرسوس (تركيا الحالية).

سنة ميلاده: السنة الرابعة للميلاد.

تنشئته: كانت على منهج الفريسيين، على يد جملائيل في القدس.

اهتداؤه: على طريق دمشق، وكأنّ ذاكرتي حفظت أنه كان حينها في مطلع الثلاثينات من عمره.

التدرب على الرسالة وممارستها في البدء: تحت قيادة برنابا.

رسول الأمم: كان هذا بعد أن استقل عن برنابا واستعان بأشخاص كثيرين للبشارة وتأسيس كنائس.

شهيد القائم من الموت: سنة 64 أو 67.

الرسائل الأصيلة لبولس بحسب بعض دارسي الكتاب المقدس: رومة، غلاطية، قورنتس الأولى، غلاطية، تسالونيقي الأولى، فيلمون.

الرسائل المنسوبة إلى بولس: قورنتس الثانية، تسالونيقي الثانية، أفسس، قولسي .

الرسائل الرعائية: هي إرشادات موجهة إلى رعاة كنائس أسسها بولس. هذه الرسائل منسوبة كذلك إلى بولس، ونشأت في دائرته بعد رحيله.

أمّا عن الرسالة إلى العبرانيين، فلا أحد في أيامنا ينسبها إلى الرسول.

الرسائل كما نجدها في الإنجيل حاليا: مرتبة بحسب طولها.

 أين "نجد" بولس؟ نجده في رسائله، في أعمال الرسل، وكذلك في إنجيل لوقا معاونه، الذي يُعتبر إلى حد ما "إنجيل بولس"، كما يُعتبر الإنجيل بحسب مرقس "إنجيل بطرس".

وأين نجد الكاهن وخدمته الراعوية بحسب بولس الرسول؟ في سيرته البطولية في خدمة إنجيل الخلاص، وفي كلامه عن نفسه كرسول، وفي توجيهاته لمعاونيه ولمن وضعهم لقيادة الجماعات التي أسسها.

لن تجدوا دوما في حديثي إليكم "كلاما جاهزا" عن الحياة الكهنوتية بحسب القديس بولس، ولهذا علينا جميعا "البحثُ عن الكاهن" في سيرة بولس وتعليمه. هكذا كان الأمر إلى حد كبير بالنسبة لأمثال يسوع: كان على السامعين الإصغاء إليها ثم البحث عن معناها.

لا أخفي عليكم أني وجدت صعوبة في ترتيب أفكاري حول الحياة الكهنوتية بحسب القديس بولس وتقسيمها إلى ستة مواضيع. ولهذا استعنت بموضوعين من اطروحتي عن معاوني القديس بولس ومعاوناته: الأول عن ضمير بولس الرسولي، والثاني عن منهجه في ممارسة الرسالة إنطلاقا من رؤيته لها. سوف نحتاج إلى لقائين لعرض كل موضوع.

أطلب منكم المعذرة مقدَّما، إذا لم يأتِ ما سأقوله على قدر انتظاراتكم واحتياجاتكم.

أودّ أن أعنون اللقاء الأول: "الحياة لي هي المسيح".

مركزية يسوع المسيح في حياة بولس وعمله الرسولي، وفي حياة الكاهن ورسالته

1. بولس لا يعرف نفسه ولا يُعرّف بها إلا من خلال يسوع المسيح

2. "الحياة لي هي المسيح

3. اللقاء الحاسم. طريق دمشق

4. الخلاص بالإيمان لا بالشريعة: جوهر رسالة بولس الرسول

5. شمولية الخلاص لليهود وللأمم

6. يسوع فقط ومصلوب. "لم اشأ أن اعرف وأنا بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوبا" (1 قورنتس 2، 2)

ختامًا، "الحياة لي هي المسيح"، اللقاء الحاسم على طريق دمشق، الخلاص بالإيمان لا بالشريعة كجوهر رسالة بولس الرسول، شمولية الخلاص لليهود وللأمم، يسوع فقط ومصلوب هي الموضوعات البولسية التي عرضتها، محاولا إسقاطها على حياتنا ورسالتنا ككهنة. أعي أن هذا الإسقاط او التطبيق غيرُ كافٍ أحيانا، ما يعني حاجتنا جميعا إلى التفكير والصلاة والتأمل، لمزيد من الفهم وللتقريب بيننا وبين بولس، رسول الأمم ومعلمها.