تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

من أديلايد إلى فيينا، لا موسيقى مع الإبادة

شوملي

مجدي الشوملي - في الثامن من يناير 2026 تم ابلاغ الكاتبة الأسترالية الفلسطينية رندة عبد الفتاح بقرار استبعادها من مهرجان الأدب الأسترالي المقرر عقده في شباط من نفس العام في أديلايد عاصمة الجنوب الأسترالي. جاء قرار إدارة المهرجان هذا بذريعة مخاوف تتعلق بـ "الحساسية الثقافية" في أعقاب هجوم بوندي. لم تمضي 48 ساعة على قرار إدارة المهرجان حتى أعلن 47 كاتباً مقاطعة المهرجان احتجاجا على استبعاد الكاتبة راندا. ومن أبرز المقاطعين: الكاتبة هيلين غارنر، وكلوي هوبر، وسارة كراسنشتاين، وميشيل دي كريتسر الحائزة على جائزة مايلز فرانكلين، إضافة إلى ميليسا لوكاشينكو، ودروسيلا مودجيسكا، والشاعرة إيفلين أرالون الحائزة على جائزة ستيلا، والكاتب الأكثر مبيعًا ترينت دالتون، الذي كان مقررًا أن يلقي كلمة رئيسية، إلى جانب عدد من مقدمي البرامج والصحفيين من هيئة الإذاعة الأسترالية (ABC).. غير أن إدارة المهرجان لم تكترث وأعلنت بكل هدوء أنها سوف تقوم بتغيير برنامج المهرجان ليستثني المقاطعين ال 47.
وتفاعلت قضية الكاتبة رندة عبد الفتاح أكثر وأكثر؛ وخلال 4 أيام تالية وصل عدد المقاطعين نحو 180 كاتباً، كما استقالت مديرة المهرجان لويز أدلر، احتجاجاً على قرار إلغاء دعوة الكاتبة رندة عبد الفتاح. ومن بين المنسحبين في الجولة الثانية رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة جاسيندا أرديرن ووزير المالية اليوناني السابق يانيس فاروفاكيس، والكاتبة البريطانية الشهيرة زادي سميث، مما جعل إدارة المهرجان تقرر الغاءه نهائيا.
ويمكن أن نتوقع نفس سيناريو أديلايد يتكرر في فيينا النمسا حيث من المقرر أن يعقد مهرجان الأغنية الأوروبية. فقبل بضعة أسابيع انسحبت من مسابقة اليورو فيجين خمس دول هي إيرلندا، إسبانيا، هولندا، سلوفينيا، وأيسلندا، ولاحقا أعلنت هيئات البث في هذه الدول مقاطعتها للمسابقة احتجاجا على مشاركة إسرائيل. غير أن إدارة المهرجان لم تهتم، وأعلنت أنها مستمرة ولن تقوم باستبعاد إسرائيل، كما رفضت طرح الموضوع للتصويت. ودعمت ألمانيا موقف إدارة المهرجان وأعلنت بأنها سوف تنسحب من المسابقة في حال قيام إدارة المهرجان بمنع إسرائيل من المشاركة. وفي سياق تنامي رفض مشاركة إسرائيل في المسابقة تحت شعار "لا موسيقى مع الإبادة" قرر اثنان من الفائزين السابقين بإعادة جائزتيهما وهما المغني السويسري نيمو الفائز بمسابقة الأغنية الأوروبية "يوروفيجن" لعام 2024 والإيرلندي تشارلي ماكغيتغان، الذي فاز بالجائزة عام 1994. ولاحقا أعلن 17 متسابقاً برتغاليا أنهم لن يشاركوا إذا ما شاركت إسرائيل، وقام 170 فنانا بلجيكيا بإدانة قرار هيئة الإذاعة والتلفزيون البلجيكي المضي قدما والمشاركة في المسابقة.
كما نشأت في أيلول 2025 حركة عالمية تحمل اسم "لا موسيقى مع الإبادة الجماعية" شارك فيها عدد كبير من الفنانين منهم بول ويلر، ماسيف أتاك، دينزل كاري، شاغيرل، سابا، وتضم قائمة المشاركين أكثر من 10,000 فنان وشركة إنتاج، بما في ذلك Björk وParamore وLorde وWet Leg..
وفي نفس السياق قام الصحافي الأمريكي ديف كيتينغ باجراء بحث عن سبب فوز إسرائيل بأصوات الجمهور في مسابقة 2025 وحازت أيضاً على أصوات عالية جداً في العام 2024 فتبيّن له أن الأصوات جاءت من أمريكا التي لا تشارك أصلا في اليوروفيجين، كما تبين له أن إسرائيل تعاقدت مع شركة أمريكية لإدارة الحملة وهذا يفسر سبب حصول الأغنية الإسرائيلية على أصوات عالية رغم أن الأغنية لم تحقق نجاحاً على وسائل التواصل الاجتماعي وخاصة منصة سبوتيفاي.
يعتقد الصحافي الأمريكي بأن موقف السويد سوف يكون حاسماً في حال قررت الانسحاب من المسابقة. وبالتالي وعلى ضوء نتائج حملة المقاطعة في أديلاند فإنه من المتوقع أن تتفاعل القرارات المتعلقة بيورو فيجين خلال الأشهر الثلاثة القادمة وقد تؤدي إلى مزيد من الانسحابات وإلغاء المسابقة، وربما إلى استبعاد اسرائيل.
من المستبعد انسحاب فرنسا أو ألمانيا أو بريطانيا لأسباب سياسية معروفة؛ لكن من المحتمل أن تنسحب السويد أو إيطاليا أو كلاهما، وهذا سوف يؤدي إلى انهيار المسابقة أو أن تضطر إدارة المهرجان للرضوخ لمطالب الفنانين باستبعاد إسرائيل. وتعتبر السويد صانعة النجوم وقد فازت مرارا بالمسابقة، بينما تعتبر إيطاليا مركزا لجمهور المسابقة.
موقف البرتغال قد أقترب من الانسحاب الرسمي، وربما تتفاعل المطالب الشعبية في بلجيكا وتؤدي لانسحابها، كما ينتظر المراقبون تفاعلات الوضع في السويد وإيطاليا، كما أن التظاهرات لازالت مستمرة في أوروبا ضد إسرائيل وحرب الإبادة في غزة مما قد يُصاعد من الحملات الشعبية لمقاطعة المهرجان، حيث أن 35 دولة فقط قد وافقت على المشاركة مقابل 21 دولة لم تعطي موافقتها على المشاركة حتى اليوم، وهذه أقل نسبة مشاركة في تاريخ المسابقة. وفي خضم تصاعد المواقف الشعبية أعلنت النمسا وهي الدولة المضيفة أنها لن تمنع التظاهرات في فيينا ضد مشاركة إسرائيل، وهذا القرار يشجع المؤسسات والجمعيات الشعبية على التظاهر قبيل وأثناء المسابقة. لا شك أن إدارة المهرجان في وضع حرج وتتحسّب لخروج دولة سادسة وربما سابعة خلال الأسابيع القليلة القادمة وعندها سوف تكون مضطرة لإلغاء المسابقة أو تنظيم مسابقة باهتة. فهل تضحي الإدارة بإسرائيل التي بسببها تنسحب الدول ويقاطع الفنانون، وهي الدولة التي لم تحترم قوانين المسابقة وتدخّلت بشكل مخالف لسياسة المهرجان وحصلت على ملايين الأصوات من أشخاص لم يشاهدوا الأغنية من قارة لا تشارك في المسابقة أصلا.
تتجه الأنظار إلى التحركات الشعبية والفعاليات الفنية والثقافية في السويد وإيطاليا حيث تتفاعل الأسئلة: هل نسمح لمرتكبي الإبادة بتقديم موسيقاهم لشبابنا وأطفالنا؟ أم أنه "لا موسيقى مع الإبادة؟

المصدر: جريدة القدس.