لبنان - بَيْنَ الْمِهْدِ وَاللَّحْدِ يَسِيرُ الإِنْسَانُ فِي مَسَافَةٍ قَصِيرَةٍ بِمِقْيَاسِ الزَّمَنِ، عَمِيقَةٍ بِمِقْيَاسِ الْمَعْنَى. يُولَدُ وَهُوَ لَا يَحْمِلُ شَيْئًا، وَيَرْحَلُ وَهُوَ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا. فَالْحَيَاةُ لَيْسَتِ امْتِلَاكًا، بَلْ عُبُورٌ؛ وَلَيْسَتْ تَجْمِيعًا، بَلْ أَمَانَةً. هَذَا مَا أَدْرَكَهُ القديس غريغوريوس النيصي حين رأى أنّ الإنسان لا يُقاس بما يبلغه من محطّات، بل بما يرتقيه من معنى، فالحياة عنده مسيرة صعود دائم نحو الله، لا تَوقّف فيها عند مالٍ أو مجدٍ أو سلطان.
مِنَ الْمِهْدِ، يَدْخُلُ الإِنْسَانُ إِلَى الْعَالَمِ كَسُؤَالٍ مَفْتُوحٍ، وَإِلَى اللَّحْدِ يَخْرُجُ كَجَوَابٍ أَعْطَاهُ بِحَيَاتِهِ، لَا بِكَلِمَاتِهِ. فَلَيْسَ السُّؤَالُ، كَمْ عِشْنَا؟ بَلْ، كَيْفَ عِشْنَا؟ وَلِمَاذَا؟ وهنا يلتقي هذا العمق مع فكر مكسيموس المعترف، الذي رأى أنّ الإنسان يصير في النهاية ما اختاره قلبه، وأنّ الزمن ليس عدد الأيّام بل ثِقَل الخيارات التي عاشها الإنسان بين المهد واللحد.
الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ لَا يُجَامِلُ الإِنْسَانَ فِي هَذَا الْمَجَال، بَلْ يَضَعُهُ أَمَامَ حَقِيقَتِهِ قَائِلًا: «لَسْتُمْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ»، وَ'نَحْنُ هُنَا لَا مَدِينَةَ لَنَا بَاقِيَةً". فَالْإِنْسَانُ ابْنُ السَّمَاءِ، وَإِنْ سَكَنَ الأَرْضَ؛ وَغَرِيبٌ، وَإِنْ طَالَ بِهِ الْمُقَام. لِذَلِكَ لَا يُقَاسُ عُمْرُهُ بِالسِّنِينَ، بَلْ بِالأَثَرِ، وهو ما عبّر عنه القديس إيريناوس أسقف ليون حين قال "إنّ مجد الله هو الإنسان الحيّ، أي الإنسان الذي يحيا دعوته ولا يذوب في زيف العالم".
فِي هَذَا الْعُبُورِ، يُغْرِيهِ الْعَالَمُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالزَّائِلِ: بِالْمَالِ، وَالْمَكَانَةِ، وَالصُّورَةِ، وَالظُّرُوفِ. يَعِدُهُ بِالْبَقَاءِ، ثُمَّ يَتْرُكُهُ وَحِيدًا عِنْدَ أَوَّلِ فَاصِلٍ أَخِير. فَمَا أَكْثَرَ مَنْ بَنَى بُيُوتًا، وَمَا أَقَلَّ مَنْ بَنَى ذَاتَهُ. وهنا يتردّد صوت إسحق السرياني الذي رأى "أنّ من جمع العالم ولم يقتنِ قلبه خرج فقيرًا وإن بدا غنيًّا في أعين الناس".
وَهُنَا يَأْتِي صَوْتُ الْمَسِيحِ صَافِيًا: «أَنْتُمْ مِلْحُ الأَرْضِ… أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ». لَا لِتَمْتَلِكُوا الأَرْضَ، بَلْ لِتُعْطُوهَا طَعْمَهَا. لَا لِتَسْكُنُوا الظُّلْمَةَ، بَلْ لِتُضِيئُوهَا. فَالْمِلْحُ لَا يَعِيشُ لِنَفْسِهِ، وَالنُّورُ لَا يُنِيرُ ذَاتَهُ؛ وَهَكَذَا الإِنْسَانُ لَا يَكْتَمِلُ إِلَّا إِذَا تَجَاوَزَ ذَاتَهُ. وهو معنى يلتقي، وإن بلغة مختلفة، مع ما قاله أفلاطون حين رأى أنّ الخير لا يُمتلك بل يُشارك، وأنّ الإنسان يسمو عندما يجعل حياته في خدمة ما هو أسمى منه.
مَا مَعْنَى أَنْ نَكُونَ مِلْحَ الأَرْضِ فِي عَالَمٍ فَاسِدٍ؟ أَنْ نَحْفَظَ الْحَيَاةَ مِنَ التَّعَفُّنِ بِالْحُبِّ، وَالصِّدْقِ، وَالْغُفْرَانِ. وَمَا مَعْنَى أَنْ نَكُونَ نُورَ الْعَالَمِ؟ أَنْ نُضِيءَ بِحُضُورِنَا، لَا أَنْ نَحْرِقَ بِسُلْطَتِنَا. وهنا يذكّرنا سينيكا بأنّ قيمة الإنسان لا تُقاس بما يكدّسه، بل بما يفيض به على غيره.
الآبَاءُ الرُّوحِيُّونَ فَهِمُوا هَذِهِ الْحَقِيقَةَ عَمِيقًا، فَرَأَوْا أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يُخَلِّدُهُ مَا يَجْمَعُهُ، بَلْ مَا يَزْرَعُهُ فِي قُلُوبِ الآخَرِينَ، وَأَنَّ الْحَيَاةَ الزَّمَنِيَّةَ هِيَ مِرْآةُ الْأَبَدِيَّةِ، مَنْ عَاشَ فِيهَا بِالْمَحَبَّةِ، دَخَلَ الأَبَدِيَّةَ مُمْتَلِئًا؛ وَمَنْ عَاشَهَا بِالذَّاتِ، دَخَلَهَا فَارِغًا.
وَاتَّفَقَ الْفَلَاسِفَةُ وَالْمُفَكِّرُونَ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ لُغَتُهُمْ، عَلَى أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَخْلُدُ بِمَا يَمْلِكُ، بَلْ بِمَا يَتْرُكُهُ أَثَرًا، وهو ما عبّر عنه مارتن هايدغر حين رأى" أنّ الإنسان كائنٌ متّجه نحو موته، وأنّ وعيه بهذه الحقيقة هو ما يمنحه حياة أصيلة لا مُستعارة".
وَفِي النِّهَايَةِ يَأْتِي الْقِطَافُ. نَرْحَلُ، وَتَبْقَى أَمَاكِنُنَا وَأَشْيَاؤُنَا. نَذْهَبُ فَارِغِينَ مِنَ الْمَالِ وَالْجَاهِ وَالْعِزِّ، وَنَحْمِلُ مَعَنَا شَيْئًا وَاحِدًا فَقَط، مَا عِشْنَاهُ مِنْ مَحَبَّةٍ، وَمَا زَرَعْنَاهُ مِنْ سَلَامٍ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ غُفْرَانٍ.
لِذَلِكَ، إِنْ كَانَ لَا بُدَّ مِنَ الرَّحِيلِ، وَهُوَ لَا بُدَّ مِنْهُ، فَلْنَرْحَلْ وَنَحْنُ تَارِكُونَ أَثَرًا طَيِّبًا. لِنَرْحَلْ مِنْ أَرْضِ التَّعَبِ إِلَى أَرْضِ الرَّاحَةِ، حَيْثُ لَا وَجَعَ، وَلَا حَسَدَ، وَلَا أَنَانِيَّةَ، بَلْ تَنَعُّمٌ بِوَجْهِ الرَّبِّ.
فَبَيْنَ الْمِهْدِ وَاللَّحْدِ، لَيْسَ الْمَهِمُّ أَنْ نَبْقَى، بَلْ أَنْ نَسْتَحِقَّ أَنْ نُذْكَرَ.
المصدر: الأب فادي ثابت.