تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تأمل غبطة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا: الأحد الثاني للميلاد

البطريركية اللاتينية

4 كانون الثاني 2025 

الأحد الثاني للميلاد 

يو 1: 1-18 

إنّ الرؤية التي يضعها أمامنا الإنجيلي يوحنّا اليوم، من خلال مقدّمة إنجيله (يو 1: 1-18)، تفتح أمامنا أفقًا واسعًا وعميقًا، تقودنا إلى قلب لاهوت حياة الثالوث الأقدس. 

في ليتورجيا عيد الميلاد، رأينا أنّ الإنجيلي لوقا اعتمد نظرة واسعة، إذ نظر إلى زمن يسوع من خلال التاريخ البشري، حيث تتقاطع أسماء العظماء، مثل الإمبراطور قيصر أوغسطس، مع أحداث مفصليّة كالإحصاء، وأماكن محدّدة مثل الناصرة وبيت لحم (لو 2: 1-4).

أمّا يوحنّا، فيتجاوز هذا كلّه. فهو لا يكتفي بسرد الوقائع التاريخيّة، مهما بلغت أهميّتها، بل يعود إلى البدء، إلى أصل كلّ شيء. ففي هذا الأصل تتجلّى حياة الله، حياة قائمة على العلاقة والمحبّة: الآب يلد الابن، والابن متوجّه كلّيًا نحو الآب، في حركة دائريّة من شركة لا تنقطع.

إنّ نظرة يوحنّا ليست سرديّة، بل تأمّليّة. فهو لا يروي مجرى الزمن ولا تعاقب الأحداث، بل يكشف سرّ الشركة بين أقانيم الثالوث الأقدس. لا يتوقّف عند ما تراه العين، بل يقودنا إلى ما لا يُرى.

ومع ذلك، فإنّ يوحنّا ولوقا، على اختلاف منطلقاتهما، يلتقيان في نقطة واحدة: فمن الأفق الواسع الذي يبدأان منه، ينتقلان فجأة إلى نقطة صغيرة في الزمان والمكان إلى سرّ تجسّد الكلمة.

لوقا يعبّر عن ذلك من خلال مشهد الولادة، حيث يركّز على ما هو صغير وفقير في نظر العالم: رعاة، مذود، وطفل ملفوف بالقماط (لو 2: 7-11).

أمّا يوحنّا، فيعبر من الأزل إلى تاريخ البشر بتقديم شخصيّة محوريّة: يوحنّا المعمدان («كَانَ إِنْسَانٌ مُرْسَلٌ مِنَ ٱللهِ ٱسْمُهُ يُوحَنَّا» – يو 1: 6). ومن خلال شهادته يبدأ النور بالتسرّب إلى ظلمة العالم.

وكما أنّ الابن، في سرّ الثالوث، متوجّه بكليّته نحو الآب، كذلك نرى يوحنّا المعمدان متوجّهًا بكلّ كيانه نحو المسيح الآتي.

إنّ حضور الربّ في تاريخنا يبدأ عبر إنسان يرضى أن يوجّه حياته كلّها نحو الآتي من لدن الله، ويقبل أن يكون شاهدًا له.

وهنا يبلغ الإنجيل ذروة جديدة: فالكلمة الذي تأمّلناه في حضن الثالوث لا يكتفي بأن يُعلن بواسطة نبيّ، بل يدخل هو نفسه في مجرى التاريخ، ويسكن بين البشر، إنّه سرّ التجسّد: «وَٱلْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا،» (يو 1: 14). فيقترب من البشر إلى حدّ أن يمكن رؤيته ولمسه واختباره في الحياة اليوميّة.

هذا ما تعلنه لنا مقدّمة إنجيل اليوم: إنّ النور الأزلي، غير المنال، أي الله في حياته السرّيّة، صار منظورًا بعيون الجسد، لأنّه أتى وسكن في وسطنا.

وتدعونا المقدّمة أوّلًا إلى أن نجمع بين هاتين النظرتين معًا:
بين تاريخنا المرئي، وحياة الله غير المرئيّة.

فهما، في العمق، تاريخ واحد. ومن خلال التأمّل العميق في تاريخ البشر، يمكن للإنسان أن يلمح حضور الله.

لم يعد التاريخ مسارًا مغلقًا على ذاته، بل صار، بطريقة ما، روايةً لحياة الله في العالم.

ويبلغ الإيمان نضجه حين ينجح في توحيد هذين البُعدين: ما نراه من أحداث وحياة، وما لا نراه من سرّ الله. عندئذٍ نستطيع، مثل يوحنّا، أن نقول: « وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ» (يو 1: 14). فمجد الله لا يظهر في ابتعاده وغموضه، بل في قربه وحضوره، لأنّ هذا هو منطق المحبّة.

ولا تحاول المقدّمة أن تشرح سبب هذا النزول الإلهي، ولا أن تبرّره أو تفسّره.

إنّ مجيء الله هو عطيّة مجانية بلا مبرر، ليس ردّ فعل على خطايانا، ولا استجابة لضرورة، ولا ثمرة حساب أو أمر يمكن تفسيره.

إنّ حياة الثالوث الأقدس تفيض كفيض النور («فِيهِ كَانَتِ ٱلْحَيَاةُ، وَٱلْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ ٱلنَّاسِ، وَٱلنُّورُ يُضِيءُ فِي ٱلظُّلْمَةِ، وَٱلظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ.» – يو 1: 4-5)، إنّها محبّة تتدفّق بلا حدود.

لذلك لا يشرح يوحنّا سبب التجسّد، بل يكشف ثماره: يمنح الذين يقبلونه القدرة على أن يصيروا أبناء الله («وَأَمَّا كُلُّ ٱلَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَانًا أَنْ يَصِيرُوا أَوْلَادَ ٱللهِ،» – يو 1: 12).

هذا يعني أنّ تاريخنا، كما هو، يدخل ليصبح جزءًا من حياة الله التي يتحدّث عنها يوحنّا في البداية.

وهذا يعني أنّ تاريخنا، كما هو، يدخل في قلب حياة الله نفسها.
ليس إضافة خارجيّة إلى إنسانيّتنا، بل ولادة جديدة تُعرَض على حرّيّة الجميع، فنُمنَح بالنعمة القدرة على استقبال النور.

ولهذا تجسّد الكلمة: ليولَد أبناء لله.

المصدر: البطريركية اللاتينة القدس