تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

قرية محاصَرة بالإيمان: اعتداءات المستوطنين تدفع نحو الرحيل والكنيسة ترفع راية البقاء في الطيبة

الطيبة

نقلاً عن وكالة SIR – Servizio Informazione Religiosa (وكالة الأنباء الدينية الإيطالية)
بقلم: دانييلي روكّي – ترجمة وتحرير: نبض الحياة.


الطيبة - في البلدة المسيحية الوحيدة التي ما زال جميع سكانها من المسيحيين في الضفة الغربية، تتكرر اعتداءات المستوطنين كجزء من واقع يومي يضغط باتجاه الرحيل. حرائق متعمدة، تخريب للأراضي والممتلكات، وترويع للسكان، في مقابل إصرار أهالي الطيبة، بدعم من الكنيسة المحلية، على البقاء والدفاع عن حقهم في أرضهم وحياتهم.
يقف رامز على أحد تلال الطيبة، يتأمل عددًا من المستوطنين وهم يرعون ماشيتهم في أراضٍ ورثها أهل البلدة جيلًا بعد جيل. ويفتح هاتفه ليعرض صورًا ومقاطع توثّق اقتحامات المستوطنين ومواشيهم للأراضي الفلسطينية المحيطة بالبلدة. "يأتون بحيواناتهم لترعى هنا، على أرضنا"، يقول بمرارة، "وحين نعترض، يهددون ويعتدون".
الطيبة محاطة اليوم بأربع مستوطنات وبؤر استيطانية: ريمونيم المقامة على أراضي البلدة مباشرة، وعوفرا، وكوكب الصباح، وبؤرة عمونا. هذا الطوق الاستيطاني لا يهدف فقط إلى التوسع الجغرافي، كما يشرح الأهالي، بل إلى خلق مناخ دائم من الخوف وعدم الأمان يدفع السكان إلى التفكير في الرحيل. "هم متطرفون قوميون يغتصبون الأرض ويستنزفون مواردها"، يضيف رامز. "يحرقون الحقول، يخرّبون الممتلكات، يعتدون على من يحاول الدفاع عن نفسه، ويتركون كتابات تهديد على الجدران".

اعتداءات متواصلة
خلال الأشهر الماضية، شهدت الطيبة سلسلة من الهجمات. في 25 حزيران أُضرمت النيران عند مدخل البلدة. وفي 7 تموز امتدت الحرائق إلى محيط المقبرة التاريخية، ووصلت ألسنة اللهب إلى أطلال كنيسة القديس جاورجيوس (كنيسة الخضر) العائدة إلى القرن الخامس، إحدى أقدم الشواهد المسيحية في المكان. بعد ذلك بأيام، استهدفت حرائق أخرى ممتلكات خاصة.
حتى زيارات بطريرك القدس للاتين الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، وقادة الكنائس، وعدد من الدبلوماسيين، لم تنجح في وقف الاعتداءات. فقد تكررت أعمال التخريب والحرائق والكتابات العنصرية في الخريف، وكان آخرها في ليلة 4–5 كانون الأول، حين أقدم مستوطنون مقنّعون على إحراق سيارات في البلدة، بعد ساعات فقط من افتتاح سوق الميلاد.

البقاء كخيار إيمان
يقول الأب بشار فواضله، كاهن رعية الطيبة للاتين: "نحن لا نُستهدف لأننا مسيحيون فقط، بل لأننا فلسطينيون أيضا". ويضيف: "الوضع قد يبدو هادئًا أحيانًا، لكننا نواجه بشكل شبه يومي دخول مواشي المستوطنين إلى أراضينا".
غير أن الرد، كما يؤكد، هو خيار البقاء. "البقاء قرار إيمان ومسؤولية تجاه شعبنا". ومن هذا المنطلق، تعمل الكنيسة على ثلاثة مسارات أساسية: العمل، والسكن، والعلاقات الدولية.
في مجال العمل، أطلقت البطريركية اللاتينية خلال العامين الماضيين مشاريع تشغيلية بدعم من كنائس عدة، أسهمت في توفير فرص عمل لأكثر من 10% من سكان البلدة. وتشمل هذه المبادرات مدارس، ومراكز طبية، ومرافق اجتماعية، وأنشطة تربوية ورياضية.
أما في مجال السكن، فيشير الأب فواضله إلى أن صعوبات الحصول على تصاريح البناء وقضايا ملكية الأرض تجعل بناء منازل جديدة شبه مستحيل، ما يعمّق أزمة الهجرة. "اليوم يعيش أكثر من 14 ألفًا من أبناء الطيبة في الخارج، بينهم نحو ستة آلاف في الولايات المتحدة وحدها"، يقول.
وعلى الصعيد الدولي، يعمل الكاهن مع الكنيسة على إيصال صوت البلدة إلى الخارج. "نطلب من الكنائس ومجالس الأساقفة في العالم الضغط على حكوماتهم لوقف اعتداءات المستوطنين. خلال العامين الماضيين التقيت بأكثر من 35 ممثلًا دبلوماسيًا في القدس ورام الله، وقدّمت تقارير دورية عن أوضاع جماعتنا".
تقول ماريا وريما وجاكي من سكان البلدة: "الخوف يطال العائلات والأطفال قبل غيرهم. ليس المستوطنون وحدهم من يجعل الحياة صعبة، بل أيضًا القيود على الحركة. الذهاب إلى رام الله قد يستغرق ساعات بسبب الحواجز والإغلاقات. العيش بهذه الطريقة مرهق وقاسٍ".

شهادة رجاء
رغم كل ذلك، تواصل الطيبة الشهادة للحياة. "هنا تُدعى الكنيسة، التي كثيرًا ما تسد فراغ الدولة، إلى أن تكون حضورًا حيًا وملموسًا، خصوصًا في أوقات الأزمات"، يقول الأب بشار.
ويعبّر بطريرك القدس السابق ميشيل صباح عن المعنى الأوسع لهذا الصمود: "نعيش في أرض الله، التي كان يفترض أن تكون أرض سلام. كان ينبغي للقدس أن تكون مدينة مصالحة، لكنها اليوم مطبوعة بالانقسام والكراهية. التحدي أمام الطيبة، وأمام كثير من الجماعات الفلسطينية، هو الاستمرار في الصمود والبقاء، من دون قبول هذا الواقع كطبيعة جديدة ظالمة".