بقلم: سند ساحلية
في قلب الضفة الغربية، حيث تتقاطع التحديات اليومية مع التاريخ العميق للأرض، تبرز الكنيسة المحلية في الطيبة نموذجًا حيًا لشهادة الفلسطينيين في الدفاع عن الأرض والإنسان، وتجسيدًا عمليًا لما يمكن تسميته "لاهوت الصمود المتجسد"، الذي يحوّل الإيمان إلى حضور عملي وشهادة حية على الأرض. هذا الصمود لا يقتصر على البعد الروحي، بل يتجسّد في حياة الناس اليومية، ويعكس إيمانًا يواجه الواقع ويتفاعل معه مباشرة.
يكتسب الصمود طابعًا ملموسًا في مواجهة هموم الإنسان اليومية؛ من القلق على الأرض والبيت والعمل، إلى التحديات الاقتصادية والاجتماعية والنفسية التي يفرضها الواقع القائم. تتحوّل الكنيسة في الطيبة إلى مساحة دعم روحي ومادي، من خلال برامج تعليمية وتشغيلية للشباب، ومساعدة العائلات المحتاجة، وتعزيز الوعي الثقافي والديني، ما يجعل من الصمود ممارسة يومية ملموسة، لا مجرد شعارات أو كلمات.
وفي قلب هذا "الصمود"، يقف الأب بشار فواضله، من كهنة البطريركية اللاتينية وراعي كنيسة المسيح الفادي للاتين، حاملًا الالتزام الروحي والاجتماعي والأخلاقي، وناقلًا رؤية الكنيسة إلى فعل ملموس على الأرض. عبر رعاية المجتمع، وتعزيز الحضور المسيحي، والمشاركة في المبادرات الإعلامية والدبلوماسية، يعمل على إبراز قضية الفلسطينيين محليًا ودوليًا، جاعلًا من الطيبة منصة حية تصل أصواتها إلى مختلف أنحاء العالم.
ولا يقتصر هذا النهج على الأب فواضله وحده، بل يشارك فيه كهنة وقساوسة وعلمانيون مسيحيون بإطلاق مبادرات مماثلة لتعزيز الصمود المسيحي ونقل صوت المجتمع الفلسطيني، مؤكّدين أن الكنيسة تمثل منصة فاعلة وليست مجرد جهد فردي.
ويأتي إدراج الأب فواضله ضمن قائمة «آسيا نيوز» الإيطالية لأبرز الشخصيات المؤثرة في آسيا لعام 2025 ليشكّل اعترافًا دوليًا بدور الكنيسة كمنصة حيّة للصمود المسيحي الفلسطيني، القادرة على نقل صوته وقضيته إلى الساحة العالمية.
ورأت الوكالة، المعروفة بقربها من الدوائر الفاتيكانية واعتمادها مرجعًا للدبلوماسيين والباحثين، في تجربة الأب فواضله نموذجًا يتعامل مع الاعتداءات على الطيبة ومحيطها كقضية كرامة ووجود، منسجمًا مع رؤية البطريركية اللاتينية في القدس بقيادة الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا، التي تربط بين المحلي والعالمي وبين القيم المسيحية ومبادئ السلام والعدالة والحرية الدينية.
اختبار أخلاقي ولاهوتي
أمام واقع يُستباح فيه الإنسان وأرضه يوميًا، يرفض الأب فواضله منطق الغضب أو الصمت، ويقدّم مقاربة مغايرة تقوم على تحويل الخطر إلى شهادة، والخوف إلى حضور، والعزلة إلى انفتاح. في أكثر من مناسبة، يؤكد: "البقاء ليس خيارًا عاطفيًا، بل مسؤولية إيمانية ووطنية"، معتبرًا أن الدفاع عن الأرض هو دفاع عن الإنسان، وعن معنى الوجود الفلسطيني المسيحي.
ويقدّم قراءة أعمق لهذا النهج: "إن الصمود المسيحي في فلسطين، كما يتجلّى في نموذج الطيبة، ليس ذكرى من الماضي ولا حنينًا رمزيًا، بل هو لاهوت حيٌّ في حالة تشكّل دائم؛ يرى في الأرض هالةً مقدسةً، وفي الإنسان أيقونة للكرامة، وفي الاستمرار فعل مقاومة خلاقة". وبهذا المعنى، تصبح الكنيسة "شهادة متجسدة، لا تُعلن الإيمان بالكلمات فقط، بل تحياه فعلًا، وتكتبه على تراب فلسطين يومًا بعد يوم"، حيث ترتبط كرامة الإنسان بكرامة أرضه وبيته، ويتحوّل الصمود إلى رسالة ومسؤولية تُمارس يوميًا، لا إلى خطاب نظري.
ويستمر الأب فواضله في التأكيد على أن: "لاهوت الصمود هنا لا يُفهم كحالة شعورية باطنية أو خطاب روحي معزول، بل كممارسة وجودية يومية، حيث يتحوّل الإيمان إلى حضور فعّال في الزمان والمكان. فالكنيسة في الطيبة تشهد لهذا التحوّل: فهي تقاوم الاحتلال لا بالسلاح، بل بثبات الجذور، وبحماية الإنسان، وبالدفاع عن الهوية الفلسطينية باعتبارها هوية حية، وتاريخية، ومفتوحة على المستقبل. إن الصمود في هذا المعنى ليس ردّ فعل، بل اختيار فلسفي وأخلاقي يؤكد أولوية الإنسان وكرامته في مواجهة منطق القوة".
كما يعكس هذا الصمود روح الإنجيل، حيث يؤكد المسيح في متى 14:5-16: "أنتم نور العالم… فليضئ نوركم للناس، ليروا أعمالكم الصالحة، فيمجدوا أباكم الذي في السماوات"، وفي الوقت نفسه يحذّر في يوحنا 18:15-19: "إذا أبغضكم العالم فاعلموا أنه أبغضني قبل أن يبغضكم. لو كنتم من العالم لأحب العالم ما كان له. ولكن، لأنكم لستم من العالم إذ إني اخترتكم من بين العالم فلذلك يبغضكم العالم". فالرسالة هنا واضحة: الإيمان يتجسد في أفعال يومية وشهادة حية، حتى في مواجهة العداء والضغوط المستمرة.
بهذا الدمج يظهر بوضوح كيف يتحوّل الإيمان المسيحي إلى ممارسة عملية وشهادة حية، تدمج البعد الروحي مع الواقعي، وتربط بين الدفاع عن الإنسان والدفاع عن الأرض، لتصبح الكنيسة منصة حية للصمود والكرامة.
نهج شامل وتأثير متعدد الأبعاد
ينتهج الأب فواضله، انطلاقًا من رؤية البطريركية اللاتينية في القدس، رؤية شاملة تجمع بين البعد الروحي والاجتماعي والإعلامي والدبلوماسي. فروحيًا، يربط الإيمان المسيحي بالهوية الفلسطينية، مؤكّدًا أن الصليب والرجاء يشكّلان لغة البقاء والمواجهة الأخلاقية. اجتماعيًا، يركّز على تمكين الشباب لضمان استمرار الحضور المسيحي، من خلال الدعم والتربية والوعي وتحمل المسؤولية، مؤكدًا أن هذا العمل يعكس نهج البطريركية ويكمّل رؤيتها في خدمة الإنسان والأرض.
أما على الصعيد الإعلامي والدبلوماسي، فيشارك في مؤتمرات دولية ويتواصل مع السفارات والبعثات الدبلوماسية، مقدّمًا شهادته كمرآة حيّة للواقع الفلسطيني. ولا يقتصر نشاطه على الطيبة؛ فهو يربط دائمًا بين ما تتعرض له قريته وما تواجهه القرى المجاورة، مؤكدًا أن الاعتداءات ليست أحداثًا معزولة، بل جزء من نمط أوسع يتطلب موقفًا جماعيًا ورؤية استراتيجية، ليصبح حضوره صوتًا يمثل مساحة جغرافية وإنسانية أوسع.
أهمية السياق الفلسطيني المسيحي
يكتسب هذا الخطاب أهمية مضاعفة في ظل تراجع أعداد المسيحيين، سواء في القدس أو الضفة الغربية أو غزة، حيث أصبحت الهجرة نتيجة ضغوط مركّبة اقتصادية وسياسية وأمنية ونفسية، لا مجرد خيار فردي. فالخطاب المسيحي يتجاوز البُعد الروحي ليصبح قضية حقوقية وقانونية، تشمل الحق في العبادة والسكن والتنقل والتعليم واللعب. في هذا الإطار، يذكّر الأب فواضله، مدعومًا بالرؤية الكنسية، العالم بأن حماية الأقليات ليست منّة، بل واجب أخلاقي وقانوني.
ومن منظور أوسع، يعيد الخطاب الاعتبار للدور التاريخي للمسيحيين في المشرق، الذين شكّلوا جزءًا أصيلًا وفاعلًا في حضارة المنطقة وتراثها. فالمسيحيون لم يكونوا مجرد شهود على التاريخ، بل جسراً حيويًا بين المشرق والغرب، قادرين على نقل قضايا وآمال وحقوق شعوب المنطقة إلى العالم. هذا الدور، الذي أهمل لسنوات أو اقتصر على هياكل رسمية روتينية، يظهر اليوم بوضوح من خلال حضور الكنائس المحلية والمبادرات الفردية والجماعية.
تمثل تجربة الطيبة نموذجًا حيًا للصمود، حيث تحوّلت الكنيسة إلى منصة فاعلة للتواصل الحضاري والثقافي والإنساني والسياسي، مؤكدة أن فلسطين والمشرق أكثر من مناطق نزاع، بل مسرح للتنوع والحضارة والرسالة الإنسانية. وجعل هذا الحضور الطيبة مركزًا للاهتمام الدولي والإعلامي والدبلوماسي والكنسي، لتصبح صوتًا حيًا ينقل الصمود والهوية والرسالة الفلسطينية، كنموذج يمكن تكراره في مناطق أخرى.