من ديترويت: لا حلول سياسية قريبة
بيتسابالا: الوضع لن يتغيّر ما لم يُعترف بالفلسطينيين شعبًا له حق تقرير المصير
ديترويت - أعرب الكاردينال بيرباتيستا بيتسابالا، بطريرك القدس للاتين، عن رجاء حذر بإمكانية تحقيق السلام في غزة، داعيًا شعوب المنطقة إلى مواجهة الكراهية و"التفكير بطريقة مختلفة" تجاه بعضهم البعض.
في اليوم الأول من زيارته الراعوية التي تمتد أربعة أيام إلى منطقة ديترويت الكبرى، ترأس الكاردينال بيتسابالا القداس الإلهي في كنيسة مار توما الكلدانية الكاثوليكية في وست بلومفيلد بولاية ميشيغان، بمشاركة رئيس أساقفة ديترويت إدوارد ج. فايزنبرغر والمطران الكلداني فرانسيس ي. قلابات، وحضور واسع من أبناء الجالية الكلدانية. وخلال الزيارة، قدّم البطريرك رسالة واقعية تحمل رجاءً صادقًا لمسيحيي الأرض المقدسة.
ورحّب خلال مؤتمر صحفي فايزنبرغر بالبطريك وأشاد بجهوده من أجل "سلام عادل ودائم" في غزة. وعند سؤاله عن مصدر الرجاء في ظل ما وصفه بأنه أسوأ دمار تشهده المنطقة منذ عقود، شدّد بيتسابالا على ضرورة عدم ربط الرجاء بحلول سياسية وشيكة.
وقال: "الرجاء كلمة معقّدة. لا ينبغي الخلط بين الرجاء والحل السياسي، فهذا الحل لن يأتي قريبًا، لا في غزة ولا في الأرض المقدسة ولا في الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. من يضع رجاءه في هذا سيتعرّض لخيبة كبيرة". وأكد أن المؤسسات الدينية والسياسية معًا معنية بصون الرجاء.
وأضاف بيتسابالا أن الرجاء لا يمكن أن يبقى فكرة مجردة، بل يجب أن يتجذّر في الإيمان والرغبة. وتابع: "لا بدّ من رغبة في تحقيقه. وإذا فشلت المؤسسات، فعلينا أن نشجع الناس على التفكير والعمل بطريقة مختلفة، سواء كانوا إسرائيليين أو فلسطينيين. هذا لن يحلّ كل مشاكلنا، لكنه يقول للناس إن كل شيء لم ينتهِ بعد".
ويذكر ان نسبة المسيحيين لا تتجاوز في غزة 1% - أي نحو 500 شخص - وفي الضفة الغربية ومناطق الـ48 تبلغ نسبتهم نحو 2% (نحو 190 ألفًا في إسرائيل و45 ألفًا في الضفة). ويواصل كثيرون الهجرة، ما يزيد المخاوف على مستقبل الوجود المسيحي. وفي غزة، لا توجد سوى رعية كاثوليكية واحدة.
وتحدث البطريرك عن الظروف المتدهورة في غزة منذ هجوم حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، مشيرًا إلى أن البنية التحتية، من منازل ومستشفيات ومدارس، تحوّلت إلى ركام، وأن عائلات كثيرة تقيم اليوم في خيام مع بداية الشتاء وسط نقص في الغذاء. وأوضح أنه خلال زيارة قام بها بعد الهدنة الأخيرة، حمل معه طعامًا - بينه الدجاج - إلى العائلات المسيحية في مجمع رعية العائلة المقدسة، قائلاً: "كان هذا أول لحم يرونه منذ تسعة أشهر". وأشار إلى أن الغذاء يدخل غزة، لكن الكثير منه يُباع في الأسواق، فيما يعجز كثيرون عن شرائه.
ورغم هذا الدمار، لا تزال الحياة الليتورجية قائمة. فالرعية التي تستضيف نحو 500 نازح تنظّم نشاطات مدرسية وصلوات يومية: القداس وصلاة الغروب والمسبحة الوردية والسجود للقربان. وقد احتفل المؤمنون بسر المناولة الأولى وحتى بزفاف. وقال بيتسابالا إن هذه الحياة الروحية شكّلت مصدر قوة للمجتمع الذي يحتمي داخل الكنيسة.
وقال: "كلما تحدثت إليهم، لا أسمع كلمة غضب، أبدًا". وروى موقفًا من أحد أبناء الرعية، المدير السابق لأحد المستشفيات في غزة: "قال لي ذات مساء، فيما القنابل تتساقط قرب المجمع: ’تعرف يا سيدنا، نحن المسيحيين لدينا مشكلة… وسط كل هذا العنف، لا نستطيع أن نكره‘".
ورغم دخول الهدنة حيّز التنفيذ في 9 تشرين الأول/أكتوبر، يرى بيتسابالا أن الغزيين يخرجون فقط الآن من "وضع البقاء". وأضاف: "صاروا يسألون: ماذا نفعل الآن؟ متى يبدأ الإعمار؟ من سيحكم؟ من يقرر؟ ماذا عن أطفالنا؟ لم يكن هناك مجال عاطفي لطرح هذه الأسئلة من قبل، لكنها تظهر الآن".
من جهته، أقرّ فايزنبرغر بتعقيد الوضع قائلاً إنه لا يمكن "اختزاله في عبارات قصيرة". وتحدث عن الثمن الإنساني للحرب: "الكثير من القنابل التي قتلت نحو 70 ألف شخص ودمّرت بيوتهم ومدارسهم ومستشفياتهم، كانت منّا. علينا نحن في أمريكا أن نتحمّل بعض المسؤولية في إعادة الإعمار". وأشار إلى أن أبناء ديترويت تعهّدوا بالفعل بتقديم نحو 500 ألف دولار لدعم الاحتياجات في الأرض المقدسة، مؤكدًا أن "العمل يزرع الرجاء".
وفي عظته خلال القداس مع الجالية الكلدانية، استعاد بيتسابالا رؤية النبي إشعياء للعودة والرجاء، مقارنًا إياها بما تعيشه شعوب الشرق الأوسط اليوم، وبينهم الكلدان في العراق بعد سنوات من بطش داعش. وأكد دور الكنيسة في بناء السلام. وبخصوص هجوم حماس، قال: "علينا أن نقول بوضوح تام: هذا غير مقبول إطلاقًا". لكنه أضاف: "الرد الإسرائيلي، وما جرى بعد ذلك في غزة، يمثّل إشكالية أكثر تعقيدًا". وأكد: "الوضع لن يتغيّر ما لم يُعترف بالفلسطينيين شعبًا له كرامته وحقه في تقرير المصير".
كما زار بيتسابالا دير القديس بونافنتورا وصلّى عند ضريح الطوباوي سولانوس كايسي، وتسلّم ذخيرة من الدرجة الأولى لينقلها إلى القدس. كما أهدته الجالية الكلدانية ذخائر لأربعة شهداء كلدان. وفي اليوم التالي، زار معهد القلب الأقدس وتحدث إلى الكهنة والطلاب.
وحضر نحو 500 شخص عشاء جمع التبرعات الذي أقيم في منتجع سانت جون، وهو المقر السابق للمعهد الإكليريكي. وأشار فايزنبرغر إلى أن الجهة المالكة للمنتجع - مؤسسة «بولت» الخيرية - تتبرع بكامل أرباحه الصافية لصالح الأعمال الخيرية.
استئناف رحلات الحج إلى الأراضي المقدسة
يواصل المسيحيون في الأرض المقدسة مواجهة تبعات الحرب الاقتصادية، ولا سيما في بيت لحم، حيث تراجع عدد الزوار بشكل كبير. الكاتب والمخرج ستيف راي، الذي قاد أكثر من 200 رحلة حج، يخطط لاصطحاب مجموعة تضم أكثر من 50 حاجًا بين 28 كانون الأول/ديسمبر و6 كانون الثاني/يناير.
وقال راي: "سمعت أن 70% إلى 80% من دخل المسيحيين يأتي من الحجاج. توقف الحافلات السياحية لسنتين كان كارثيًا". وعن مخاوف السلامة، أضاف: "وسائل التواصل تبالغ كثيرًا. لم يُصب أي حاج بأذى. نحن غير قلقين". وأعلن عن أربع رحلات إضافية في 2026، بينها رحلة لطلاب جامعة أفّي ماريا.
ومع اختتام جولته في ديترويت، يستعد بيتسابالا للاحتفال بالقداس في مزار "زهرة صغيرة"، الذي يحتفظ بذخائر القديسة تريزا الطفل يسوع.
ترجمة: نبض الحياة
المصدر: Catholic News Agency
الصور: Photo by Steven Stechschulte | Detroit Catholic