تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

تقرير جديد يوثق تصاعد الاعتداءات وتراجع الوجود المسيحي في القدس وبيت لحم

موقع أبونا

يشكّل تراجع الوجود المسيحي في الأرض المقدسة مصدر قلق متواصل منذ سنوات طويلة. إلا أن المسيحيين باتوا اليوم يشعرون بأن ما كان يُعدّ في السابق تراجعًا ديموغرافيًا تدريجيًا، يتحول إلى أزمة متسارعة بفعل العنف والترهيب وتصاعد مظاهر العداء الاجتماعي.

وقد اجتمع مؤخرًا ممثلو الجماعات المسيحية في الأرض المقدسة لتوجيه رسالة تحذيرية واضحة مفادها أنه ما لم تتحسن الظروف، فقد تواصل بعض أقدم الجماعات المسيحية في العالم اختفاءها من الأماكن التي وُلدت فيها المسيحية. وقال وديع أبو نصار، منسق منتدى مسيحيي الأرض المقدسة: «نشعر أننا أيتام»، في تعبير يلخّص شعورًا يتردد بصورة متزايدة بين المؤمنين المحليين.

ارتفاع مقلق في الاعتداءات

ولا تقتصر التحديات على حوادث عدائية متفرقة، بل تشمل مجموعة من العوامل المتداخلة، من بينها ضعف الاستجابة الرسمية، واللامبالاة السياسية، والضغوط الاقتصادية، وتنامي الشعور بعدم الأمان، الأمر الذي يدفع العديد من العائلات إلى التفكير في الهجرة.

وتستند هذه المخاوف إلى بيانات حديثة. فبحسب مركز روسينغ للتعليم والحوار، تم توثيق 155 حادثة استهدفت المسيحيين خلال عام 2025، شملت 61 اعتداءً جسديًا، و52 هجومًا على ممتلكات كنسية، و28 حالة مضايقة، و14 عملًا تخريبيًا استهدف رموزًا وعلامات مسيحية.

وتشير الأرقام الأحدث إلى أن الوضع قد يكون في ازدياد. فقد أفاد مركز بيانات الحرية الدينية بأنه تم تسجيل أكثر من 88 حادثة خلال الأشهر الأولى من عام 2026، بينها 63 حادثة خلال الربع الثاني وحده. وإذا استمر هذا المعدل، فقد يتجاوز عدد الحوادث هذا العام الرقم المسجل في عام 2025 والذي بلغ 181 حادثة.

وتشمل العديد من الحوادث المبلغ عنها ممارسات أصبحت شبه يومية، مثل البصق على الكهنة والراهبات، والشتائم والإساءات اللفظية، وتخريب المواقع المسيحية، وتدنيس القبور، وإتلاف الصلبان، وكتابة شعارات معادية للمسيحية. وبرزت البلدة القديمة في القدس وجبل صهيون والمناطق المحيطة بالبطريركية الأرمنية كنقاط توتر رئيسية تتكرر فيها هذه الحوادث.

بين ضعف الاستجابة وتنامي مبادرات التضامن

ولا يقتصر قلق الأوساط المسيحية على عدد الحوادث فحسب، بل يشمل أيضًا شعورها بأن كثيرًا منها لا يحظى بالاهتمام الكافي. ويؤكد محامون يعملون مع المجتمعات المتضررة أن التحقيقات غالبًا ما تكون محدودة، وأن العديد من الشكاوى تُغلق دون نتائج ملموسة. كما أن بعض الضحايا يختارون عدم الإبلاغ أصلًا، لاعتقادهم أن ذلك لن يغيّر شيئًا.

وفي الوقت نفسه، يحذر باحثون من تصوير هذه المشكلة على أنها تمثل المجتمع الإسرائيلي بأسره. إذ تشير استطلاعات الرأي إلى أن كثيرًا من الإسرائيليين يرفضون مظاهر العداء للمسيحيين، كما أن شبكة متنامية من الأكاديميين والمتطوعين ونشطاء المجتمع المدني اليهود بدأت بالمساهمة في توثيق الانتهاكات ومرافقة الضحايا وتقديم الدعم لهم. ويشارك اليوم مئات المتطوعين في مبادرات تهدف إلى مراقبة الحوادث وتقديم المساندة عند وقوع الاعتداءات.

المشكلة تتجاوز المضايقات في القدس

لكن المسيحيين يؤكدون أن المشكلة تتجاوز المضايقات في القدس. ففي بلدة الطيبة بالضفة الغربية، وهي آخر بلدة فلسطينية ذات غالبية مسيحية كاملة، يصف القادة المحليون وضعًا أكثر خطورة. وتضم البلدة نحو 1500 نسمة من اللاتين والأرثوذكس والروم الملكيين الكاثوليك، وقد أصبحت رمزًا للضغوط التي تواجه المسيحيين الأصليين في المنطقة.

ووفقًا للأب بشار فواضلة، كاهن الرعية اللاتين في الطيبة، تسببت اعتداءات متكررة من قبل مستوطنين إسرائيليين في إلحاق أضرار بالأراضي الزراعية، والحد من الوصول إلى بساتين الزيتون، وتهديد سبل العيش الاقتصادية للعائلات. وأشار إلى أن نحو 15 عائلة، أي ما يقارب 80 شخصًا، غادرت البلدة بالفعل لأنها لم تعد ترى مستقبلًا قابلًا للحياة فيها.

وبالنسبة إلى مجتمع ترتبط هويته ارتباطًا وثيقًا بالأرض، فإن مثل هذه الهجرات تحمل دلالات تتجاوز مجرد الأرقام والإحصاءات. فالزراعة لا تزال مصدر الدخل الأساسي لكثير من العائلات، وأي اعتداء على أشجار الزيتون أو الحقول أو المواشي يؤثر مباشرة في قدرتها على البقاء في أرض الأجداد.

تراجع سكاني يهدد الوجود التاريخي

وتزداد خطورة هذه التطورات عند النظر إلى الواقع الديموغرافي للمسيحيين في المنطقة. فعلى الرغم من ارتفاع عدد المسيحيين الحاملين للجنسية الإسرائيلية إلى نحو 180 ألف شخص، فإنهم لا يشكلون سوى حوالي 2% من سكان الدولة.

أما المراكز المسيحية التاريخية، فقد كان التراجع أشدّ حدة.

ففي القدس الشرقية كان المسيحيون يشكلون نحو نصف السكان، أما اليوم فلا تتجاوز نسبتهم 2%. وفي بيت لحم، المدينة المرتبطة بميلاد السيد المسيح، انخفضت نسبة المسيحيين من نحو 80% إلى حوالي 10% خلال العقود الأخيرة.

أكثر من قضية حرية دينية

وتفسر هذه الأرقام سبب تزايد حديث رؤساء الكنائس عن القضية باعتبارها لا تتعلق فقط بالحرية الدينية، بل أيضًا ببقاء التراث الثقافي والتاريخي المسيحي في الأرض المقدسة.

فالجماعات المسيحية في الأرض المقدسة تتمتع بخصوصية فريدة في العالم المسيحي؛ فهي ليست جماعات مهاجرة أو كنائس حديثة النشأة، بل تنحدر من أقدم الجماعات المسيحية المستمرة في العالم. وتحافظ طقوسها الليتورجية على تقاليد عريقة، فيما تسبق مؤسساتها قيام العديد من الدول الحديثة، كما أن وجودها يشكّل رابطًا حيًا مع جذور الإيمان المسيحي.

ولهذا السبب، يؤكد مسيحيو الأرض المقدسة أن حماية حرية العبادة وحدها لا تكفي. فهم يرون أن ضمان مستقبل مسيحي حيّ يتطلب أيضًا توفير الأمن، والمساواة أمام القانون، والحماية الفاعلة، والفرص الاقتصادية، وتمكين العائلات من البقاء في أرضها من دون خوف.

المصدر: موقع أبونا