الأب سليمان شوباش - وجّه قداسة البابا لاون الرابع عشر، الاثنين 30 حزيران 2026، دعوة إلى جميع الكنائس والمسيحيين في العالم للتحضير للاحتفال معًا بالذكرى الـ2000 لفداء السيد المسيح، التي تصادف عام 2033. وجاءت هذه الدعوة خلال لقائه في الفاتيكان وفدًا من بطريركية القسطنطينية المسكونية لمناسبة عيد القديسين بطرس وبولس.
لمن لا يعلم، فإن الوفد يتبع لبطريركية القسطنطينية الأرثوذكسية، التي يرأسها البطريرك المسكوني، ويحمل لقب رئيس أساقفة القسطنطينية – روما الجديدة. ويُنظر إليه بوصفه «الأول بين متساويين» بين رؤساء الكنائس الأرثوذكسية المستقلة، وله دور بارز في الدعوة إلى المجامع الأرثوذكسية والتنسيق بين الكنائس. كما ترتبط به أبرشيات تابعة مباشرة للبطريركية المسكونية في عدد من أنحاء العالم.
ويُعدّ هذا الكرسي من أبرز الجسور في التقارب بين الكنيسة الأرثوذكسية والكنيسة الكاثوليكية، ولا سيما بعد اللقاء التاريخي بين القديس البابا بولس السادس والبطريرك المسكوني أثيناغورس الأول عام 1964، والذي تُوّج عام 1965 برفع الحرمانات المتبادلة التي كانت قد صدرت بين روما والقسطنطينية عام 1054.
نقل الإمبراطور قسطنطين الكبير عام 330 عاصمة الإمبراطورية الرومانية من روما في الغرب إلى مدينة بيزنطة في الشرق، التي أُعيد تأسيسها وتوسيعها وأُطلق عليها لاحقًا اسم القسطنطينية نسبةً إليه. وحملت المدينة لقب «روما الجديدة» لتصبح مركزًا سياسيًا وإداريًا جديدًا للإمبراطورية، نظرًا لموقعها الاستراتيجي وأهميتها التجارية.
ومع انتقال مركز الثقل الإمبراطوري إلى الشرق، برزت عبر القرون توترات حول مكانة الكرسيين الروماني والقسطنطيني، امتزجت فيها العوامل الكنسية بالظروف السياسية والإمبراطورية. وفي المقابل، حافظ كرسي روما على دوره المتزايد في الغرب، خصوصًا بعد ضعف السلطة الإمبراطورية الغربية وسقوطها، حيث اضطلع بابا روما تدريجيًا بأدوار روحية واجتماعية وحتى سياسية في حماية شعب الله المؤمن ومواجهة التحولات الكبرى التي شهدتها أوروبا، ومنها الغزوات الجرمانية.
بقيت روما القديمة حاضرة عبر العصور، ولذلك عُرفت بلقب «المدينة الخالدة». وهي في الذاكرة المسيحية مدينة استشهاد الرسولين القديسين بطرس وبولس، اللذين استُشهدا فيها خلال اضطهاد الإمبراطور نيرون نحو عام 67، وما تزال مواقع مرتبطة بذكراهما ورفاتهما تحظى بمكانة روحية كبيرة لدى المؤمنين.
ومن هذا الإيمان تنطلق الكنيسة الكاثوليكية في فهمها لمكانة كرسي بطرس، مستندةً إلى قول المسيح: «أنت صخرٌ، وعلى الصخر هذا سأبني كنيستي، فلن يقوى عليها سلطان الموت» (متى 16: 18)، وإلى منحه مفاتيح ملكوت السماوات لبطرس، كما يرد في النص نفسه: «وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات» (متى 16: 19). كما تستند إلى صلاة المسيح من أجله لكي «يثبت إخوته» بعد تجربة إنكاره خلال أحداث الآلام (لوقا 22: 32)، باعتبار ذلك أساسًا لفهم دور خليفة بطرس في خدمة وحدة الكنيسة.
وعليه فقد أشار عدد من آباء الكنيسة الأولى إلى المكانة المميّزة التي احتلها كرسي روما ودوره في خدمة وحدة الكنيسة. فقد قال القديس إيريناوس، أسقف ليون: «إلى هذه الكنيسة بسبب أصلها الأسمى، يجب أن تتوافق كل الكنائس»، مشيرًا في كتابه «ضد الهرطقات» إلى أن الكنيسة الجامعة في العالمين الشرقي والغربي ترتكز على كرسي بطرس.
كما شدّد القديس قبريانوس، أسقف قرطاج، على أن ترك كرسي بطرس يعني الخروج من الكنيسة، فيما أشار القديس أغسطينوس في كتابه «وَحدة الكنيسة» إلى أن روما حافظت دائمًا على أولوية بطرس، وأنها أساس للوَحدة. أما القديس إغناطيوس الأنطاكي فوصف كنيسة روما بأنها «المتقدمة في المحبة»، في إشارة إلى مكانتها بين الكنائس. ولجأ القديس أثناسيوس الرسولي إلى التواصل مع كرسي روما خلال أزمة الآريوسية، كما امتدح القديس يوحنا الذهبي الفم روما بوصفها مدينة الرسولين بطرس وبولس، معتبرًا أن مجدها الحقيقي نابع من شهادتهما وإيمانها المسيحي القويم.
وتأكيدًا على ذلك، فإن قرارات المجامع المسكونية الأولى، من مجمع نيقية حتى مجمع خلقيدونية عام 451، أي قبل الانقسام الكبير بين الشرق والغرب، تعكس المكانة الخاصة التي كان يحظى بها كرسي روما في حياة الكنيسة الجامعة، حيث كان لأسقف روما دور بارز في تأكيد القرارات المجمعية وقبولها ضمن تقليد الكنيسة.
واليوم، من جديد، دعا قداسة البابا لاون الرابع عشر إلى الاحتفال بالذكرى الـ1700 لمجمع نيقية، أول مجمع مسكوني في تاريخ الكنيسة، والذي صاغ قانون الإيمان الذي يجمع المسيحيين حوله. ومن هنا، أؤمن شخصيًا أن التحدي الأهم أمام الكنيسة اليوم هو ألا تنجرف وراء منطق السلطة البشرية، كما حدث عندما طلب يعقوب ويوحنا من يسوع أن يجلسا عن يمينه وشماله (متى 20: 20-21)، ولا أن تتسابق وراء المقاعد الأولى والمقامات (متى 23)، بل أن تتذكر أنها قبل كل شيء وللمسيح ومن أجل المسيح. فدعوتها الأولى هي الخدمة والمحبة، لا التسلّط.
فالعظمة الحقيقية في منطق الإنجيل لا تأتي من المراتب والمواقع، بل من المحبة والتواضع وبذل الذات، كما قال الرب: «لأن ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم، بل ليَخدم، ويفدي بنفسه جماعة الناس» (مرقس 10: 45). فالمطلوب ليس التنافس على النفوذ، بل التنافس في المحبة وخدمة بعضنا بعضًا، كما يوصي القديس بولس: «ليوَدّ بعضكم بعضًا بمحبة أخوية» (روما 12: 10).
وهنا أختم بقول البطريرك الراحل هزيم، بطريرك أنطاكيا وسائر المشرق للروم الأرثوذكس، حين قال صراحة: «إن خلافنا مع الكنيسة الكاثوليكية هو في الحقيقة خلاف سياسي وليس ديني». ويبقى نداء المسيح حاضرًا دائمًا: الثبات في الحق، والحذر من كل ما يبعد الإنسان عن روح الإنجيل، لأن «مملكتنا ليست من هذا العالم»، ورجاء المؤمنين يبقى في أورشليم السماوية.
يا أمّ الكنيسة، صلّي لأجلنا، لكي نبقى أمناء للمسيح، سائرين في طريق المحبة والوحدة والخدمة.
المصدر: موقع أبونا.