Aller au contenu principal

جيلٌ يملك كلَّ شيء إلا نفسه!

مقال

الأردن - الأب سالم لولص - لم يسبق للبشرية أن امتلكت كل هذا القدر من الوسائل كما تمتلكه اليوم.

هواتف أذكى.
وسيارات أسرع.
وتكنولوجيا مذهلة.
ووصول إلى المعرفة بضغطة زر.

لكن، في المقابل...

لم يسبق أيضًا أن كان الإنسان بهذا القدر من التعب.

لقد أصبحنا نعيش في عصرٍ يستطيع فيه الإنسان أن يتحدث مع شخص في آخر الأرض خلال ثانية واحدة، لكنه لا يجد خمس دقائق ليتحدث مع نفسه.

نعرف ما يجري في العالم كله، لكننا نجهل ما يجري داخل قلوبنا.

لدينا آلاف "الأصدقاء" على وسائل التواصل، لكن كثيرين يمضون لياليهم في عزلة لا يراها أحد.

صرنا نطارد الإنجازات، حتى نسينا أن نسأل السؤال الذي يسبق كل إنجاز:

إلى أين أمضي؟


لقد أقنعنا العالم بأن قيمة الإنسان تُقاس بما يملك.

فأصبح الطفل يتعلم منذ صغره أن النجاح يعني أن يجمع أكثر.

والشاب يظن أن قيمته بعدد متابعيه.

والموظف يقيس حياته بترقياته.

والشركة تقيس نجاحها بأرباحها.

حتى الإنسان بدأ ينظر إلى نفسه كمشروع إنتاج، لا كإنسان يحمل كرامة ورسالة.

لكن المشكلة أن الإنسان، كلما جمع أكثر، ازداد خوفه من أن يخسر ما جمعه.

وهكذا يتحول النجاح نفسه إلى عبء.


هناك سؤال لا يطرحه كثيرون، لأنه قد يغيّر حياتهم كلها:

ماذا لو كنت أصعد سلّم النجاح... لكنه مسنود إلى الجدار الخطأ؟

قد تصل إلى القمة... ثم تكتشف أنك أضعت عمرك في المكان الخطأ.

وهنا تكمن مأساة عصرنا.

لسنا فقراء في الوسائل... بل فقراء في المعنى.

وليس أخطر أنواع الفقر أن يخلو الجيب.

بل أن يخلو القلب.


هذا ما يفسر ظاهرة باتت واضحة في كل المجتمعات.

كلما ازداد التقدم المادي، ازداد الحديث عن القلق، والوحدة، والإرهاق النفسي، وفقدان المعنى.

كأن الإنسان يقول للعالم كله:

"لقد حصلت على ما وعدتموني به...

فلماذا ما زلت أشعر بالفراغ؟"

لأن المشكلة لم تكن يومًا في نقص الأشياء...

بل في غياب الاتجاه.


ومن هنا تأتي فرادة الإنجيل.

يسوع لا يبدأ بإعطاء أجوبة جاهزة.

بل يروي قصة.

قصة رجل وجد كنزًا مخفيًا.

وقصة تاجر وجد لؤلؤة كثيرة الثمن.

وللمرة الأولى نفهم أن المشكلة ليست في قلة الكنوز...

بل في أننا كثيرًا ما نمنح حياتنا لما لا يستحقها.

فالإنسان لا يضيع لأنه لا يملك شيئًا.

بل لأنه يهب نفسه لما هو أصغر منه.

وعندما يكتشف الإنسان الكنز الحقيقي، لا يشعر أنه خسر شيئًا.

بل يكتشف أن كل ما تركه كان ثمنًا قليلًا أمام ما وجده.


إن أكبر خدعة ينجح العالم في تسويقها اليوم هي أن يجعل الإنسان يركض بلا توقف.

يعمل أكثر. يشتري أكثر. ينشر أكثر. ويقارن نفسه أكثر.

حتى لم يعد لديه وقت ليسأل:

"من أنا؟"

و"لماذا أنا هنا؟"

و"إلى أين تقودني هذه الحياة؟"


في القراءة الأولى من هذا الأحد، يقف سليمان أمام الله، فيطلب الحكمة.

لم يطلب المال، ولا السلطة، ولا الانتقام.

لأنه أدرك أن الإنسان الذي يمتلك قلبًا حكيمًا، يعرف كيف يستخدم كل شيء آخر.

أما الذي يخسر الحكمة...

فقد يخسر نفسه، حتى لو امتلك العالم كله.


وربما لهذا السبب قال يسوع في موضع آخر:

"ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟"

إنها ليست عبارة دينية تُقال في الكنائس.

إنها تشخيص دقيق لأزمة الإنسان المعاصر.

لقد أصبحنا بارعين في صناعة وسائل الحياة... لكننا ما زلنا نتعلم كيف نعيشها.


ربما لا يحتاج عالمنا اليوم إلى مزيد من السرعة.

بل إلى لحظة صمت.

ولا إلى مزيد من الاستهلاك.

بل إلى قلب يعرف ما يستحق أن يحبه.

ولا إلى كنوز جديدة...

بل إلى إعادة اكتشاف الكنز الذي لا يصدأ، ولا يفقد قيمته، ولا يخذل من يضع ثقته فيه.

ذلك الكنز ليس فكرة، ولا فلسفة، ولا مشروعًا اقتصاديًا.

إنه شخص. يسوع المسيح.

فمن وجده، لم يعد يملك كل شيء...

بل وجد الشيء الذي يعطي لكل شيء آخر معناه.

المصدر: موقع أبونا.