Aller au contenu principal

صمتُ يسوع… درسٌ في حكمة الكلمة وقدسيّتها

الصمت

أربيل - حين يُواجِه الإنسان في حياته مشهدًا حاسمًا فيُلامِس خبرةَ العار العلنيّ وعنفَ إدانة الناس والتجربة التي تقع فيها جماهير الغوغاء المنقادة كقطيع، يبرزُ السؤال المُلِحّ: من لديه الحقّ في إصدار الحكم والإدانة؟

يُوجِّهنا المطران د. يوسف توما، راعي أبرشيّة كركوك والسليمانيّة الكلدانيّة، صوب الكتاب المقدّس للبحث عن إجابة ناجعة، عبر حادثة وَرَدَت في إنجيل يوحنّا (8: 3 - 11) «يُمكن أن تشكِّل، للمؤمنين وغير المؤمنين أيضًا، خلاصة العلوم السياسيّة والإنسانيّة في أعمق معانيها، بشأن تصنيف المجتمع لشخصٍ ما كمذنبٍ، وكيف يتعامل الناس معه حين يمنحون هذا التصنيف درجة الحقيقة القطعيّة».

ويشرح أنّ حشد معلّمي الشريعة الذين أحضروا أمام المسيح امرأةً أُمْسِكَت متلبِّسةً بالخطيئة، لم يسعوا إلى العدالة حين أوقفوها مع يسوع في وسط الحلقة، بل قصدوا فضحها وعَزلها وجَعْلَها عبرةً للآخرين.

ويتابع: «كان سؤالهم عن حكم يسوع في شأن المرأة فخًّا، إذ ليست العدالة مبتغاهم، بل البحث عن سبيلٍ للإيقاع به هو. يريدون إجابةً تُمكِّنهم من استعمال القانون لِرَجْم كليهما».

الحشد المنجَرِف المُتَسَرِّع

لا يُعطي يسوع جوابًا على الفور، بل ينحني ويكتب على تراب الأرض. لم يخبرنا الإنجيل بما كتَبَه، لكنّ المشهد تباطأ، وساد صمتٌ ثقيل أوقف هياج الحشد المنجرف كالماشية وراء القطيع، المستعدّ دائمًا لإصدار أحكامٍ فوريّة.

يَبرز هنا صوتُ العقل عبر صمت يسوع الرافض التسرّع في إصدار الأحكام، «فالصمت إزاء فوضى الحشود قد يكون أفضل مقاومةٍ لها، ومِثله الترفُّع فوق الصراخ السائد، كمثل الذي تبثّه الشاشات وتعدّه نقاشًا، فيما لا يعدو كونه حوار طرشانٍ لا يغني ولا يسمن»، بحسب توما.

ويردف: «العدالة ترفع الإنسان وترتقي به، أمّا الإذلال فيسحقه بلا تفكير. لذا، يدعونا ربُّنا إلى تجنّب الخلط بين ضرورة إحقاق العدالة وإذلال المتّهم، ويعطينا درسًا ثمينًا يعلِّمنا ألّا نختزل الإنسان في أيّ خطأ أو خطيئة، دون إنكارهما أو محاولة تجنّب طرحهما، ليُعلِّمنا الحَزم وأن نطالب بالعدالة بفكرٍ مُمَيِّزٍ وراقٍ يترفَّع عن رشق الآخَر بالمسبّات ورجمه بحجارة الكلام، أو الحكم المتعَجِّل عليه قبل الإصغاء إليه وإعطائه فرصة الدفاع عن نفسه، وإعطاء أنفسنا فرصة التبصّر».

صمت الحكيم الفَطِن

يَصمتُ يسوع ليَمنح الحشد فرصة التفكير بحكمةٍ وفطنة والتساؤل: لِمَ أحضروا المرأة الزانية التي نجهل اسمَها، وأقاموها وحيدةً في وسط جمهور هائج، مفضوحة ومتّهمة بالزنا، من دون شريكها في الخطيئة؟ «النصّ يصمتُ ولا يُجيب، وهذا الصمت بليغٌ جدًّا لأنّه يكشف عورة ميزانِ عدالةٍ مختَلّ، يُحابي ويميّز بين الأشخاص، ويبحث عن كبش فداء يسهل اصطياده».

ويختم توما: «يعلّمنا يسوع عبر هذه الحادثة دروسًا عدّة: كلّ محاكمةٍ متسرِّعة غايتها إذلال الإنسان لا تبحث عن الحقيقة أو العدالة. والمتعَجِّلون الباحثون عن كبش فداء يحمل العار بعيدًا عنهم يمارسون عنفًا ويحكمون بمعايير مزدوجة، كَسَرها المسيح بصمته الداعي إلى التفكير بحكمةٍ وفِطْنة واجتناب التسرّع في الردّ، وهذا الدرس بالغ الأهمّيّة لبني زماننا اليوم، خصوصًا مستعملي وسائل التواصل».

المصدر: جورجينا حبابة، آسي مينا.