Skip to main content

القدّيس مكسيموس المعترف… شاهدٌ للحقيقة لم تُسكته الجراح

قديس

بيروت - تحتفل الكنيسة المقدّسة في تواريخ مختلفة، منها 30 يناير/كانون الثاني، بتذكار القدّيس مكسيموس المعترف، أحد أبرز آباء الكنيسة وشهود الحقيقة الذين سطّروا بإيمانهم مسيرة ناصعة من الأمانة للإنجيل، مفضّلين الألم والنفي على أيّ مساومة تمسّ جوهر الإيمان.

أبصرَ مكسيموس المعترف النورَ في القسطنطينيّة في القرن السابع، وعاش في زمنٍ بالغ الدقّة من تاريخ الكنيسة احتدَمَ فيه الجدل اللاهوتيّ حول طبيعة المسيح ومشيئته. لم يكن رجل صدام أو انقسام، بل رجل حقيقة، أدرَكَ بعمق أنّ أيّ انحراف عقائديّ، ولو بدا بسيطًا أو مبرَّرًا سياسيًّا، يمسُّ سرَّ الخلاص نفسه. لذلك، رفض منطق التسويات، واختار أن يكون أمينًا للإنجيل لا خاضعًا للسلطة أو الظروف. بالنسبة إليه، لم تكن الحقيقة مجرّد دفاعٍ لاهوتيّ، بل أمانة لشخص المسيح الحيّ الذي لا يُجزَّأ ولا يُختصَر ولا يخضع لحسابات البشر.

هكذا، دفع مكسيموس ثمن أمانته قاسيًا؛ نُفي، وتعرَّض للتعذيب، وقُطعت يده ولسانه ليُمنع من التعليم والكتابة. ومع ذلك، لم تُقمَع شهادته، بل تحوّل صمته إلى إعلان صارخ، وجراحه إلى لاهوتٍ حيّ، يؤكّد أنّ الإيمان ليس فكرة ذهنيّة أو موقفًا نظريًّا، بل هو التزام وجوديّ كامل. وأخيرًا، رقد بعطر القداسة في العام 662، تاركًا كتابات لاهوتيّة تشدّد على ربط سرّ التجسّد الإلهيّ بدعوة الإنسان إلى المحبّة وطاعة مشيئة الله.

واليوم، عندما تُغرى الضمائر عبر المساومة، وتُخفَّف الحقائق باسم الواقعيّة، يُذكّرنا هذا القدّيس بأنّ المسيحيَّ مدعوٌّ إلى الثبات لا إلى المسايرة، وإلى الشهادة لا إلى الراحة. فالحقيقة، مهما بلغت كلفتها، تبقى الطريق إلى الحرّية الداخليّة، وإلى فرح لا تهزمه قيود ولا تطفئه آلام.

يا ربّ، بشفاعة القدّيس مكسيموس المعترف، امنحنا نعمة الأمانة لنشهد لحقيقتكَ بثباتٍ ومحبّة، أيًّا يكُن الثمن، آمين.

المصدر: د.امال شعيا، آسي مينا.