Skip to main content

باريس تستمع إلى فلسطين: الأب بشّار فواضله يحمل شهادة حيّة عن صمود الفلسطينيين تحت الاحتلال

باريس تستمع إلى فلسطين: الأب بشّار فواضله يحمل شهادة حيّة عن صمود الفلسطينيين تحت الاحتلال

باريس – سند ساحلية / نبض الحياة – واصل الأب بشّار فواضله، أمس الأربعاء، برنامجه الرسمي والإعلامي في العاصمة الفرنسية باريس، حاملاً معه صوت المسيحيين الفلسطينيين وشهادة الشعب الفلسطيني عمومًا في ظل واقع الاحتلال والضغوط اليومية. وقد تحوّلت محطات الزيارة إلى فضاءات إنسانية تتقاطع فيها الدبلوماسية مع الإعلام والكنيسة، لنقل صورة واقعية متوازنة عن حياة الفلسطينيين، ومعنى الصمود والبقاء في أرض تُثقلها القيود ويتهدّد نسيجها الإنساني بشكل مستمر.

وفي المحطة السياسية للزيارة، عقد الأب فواضله لقاءً في وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية، جمعه بالسفير جان-كريستوف بوكيل، مدير دائرة شمال أفريقيا والشرق الأوسط في الوزارة، وعدد من معاونيه. وتناول اللقاء الأوضاع الراهنة في الأراضي الفلسطينية، مع تركيز خاص على واقع القرى والبلدات المسيحية، وما تواجهه من تضييق على الأرض والحركة، إضافة إلى تصاعد اعتداءات المستوطنين وتأثيرها المباشر على حياة السكان واستقرارهم.

وشكّل اليوم محطة رعوية جامعة، حيث شارك الأب فواضله في قداس مسائي في رعية القديس فرديناند دي تيرن في باريس، تلاه لقاء حواري مفتوح. وتميّز اللقاء بحضور متنوّع ضمّ أبناء الرعية وكاثوليك ولوثريين، إلى جانب مشاركين من الجالية المسلمة، وممثلين عن فرسان القبر المقدس، ومؤسسة "أعمال الشرق" (L’Œuvre d’Orient)، وعدد من المؤسسات الكنسية والإنسانية الفرنسية، في مشهد عكس اهتمامًا واسعًا بالاستماع إلى الشهادة الآتية من الأرض المقدسة وما تحمله من أبعاد إنسانية وروحية.

باريس تستمع إلى فلسطين: الأب بشّار فواضله يحمل شهادة حيّة عن صمود الفلسطينيين تحت الاحتلال

وفي موازاة هذه الأنشطة، أجرى الأب فواضله مقابلة إذاعية مع إذاعة "راديو كلاسيك" الفرنسية، تطرّق خلالها إلى الواقع الإنساني والروحي في فلسطين، مؤكدًا أن ما يعيشه المسيحيون هناك لا ينفصل عن معاناة الشعب الفلسطيني عمومًا، وأن التحدي اليوم هو الحفاظ على الحضور التاريخي للمسيحيين في أرض الإنجيل.

وقال الأب فواضله إن الطيبة، الواقعة في قلب الضفة الغربية، ليست مجرّد قرية صغيرة، بل تحمل معنى عميقًا، إذ تُعدّ آخر قرية فلسطينية لا يزال سكانها جميعًا من المسيحيين. وأوضح أن البقاء في الطيبة لا يُقاس بالأرقام أو الإحصاءات، بل بقدرة الناس على الاحتمال والصمود، في ظل تقلّص الأراضي، وندرة فرص العمل، وشبح الهجرة الذي يخيّم على حياة الشباب والعائلات.

ووصف الواقع اليومي في البلدة بأنه "تحدٍّ ملموس لا فكرة مجرّدة"، مشيرًا إلى أن الأراضي مهددة باستمرار بفعل سياسات الاحتلال، وأن الحقول والمواقع المقدسة تتعرّض مرارًا لاعتداءات المستوطنين المتطرفين، فيما تؤدي إغلاقات الطرق والحواجز إلى تقييد الحركة وتعقيد تفاصيل الحياة اليومية.

وأضاف "أن قلة فرص العمل تدفع الكثير من الشباب للتفكير بالهجرة. ومع كل مغادرة، يتلاشى بصمت جزء من الذاكرة الحيّة للمكان".

وفي مقابل هذا الواقع، شدّد الأب فواضله على أن البطريركية اللاتينية في القدس وكنيسة المسيح الفادي في الطيبة لم تقف موقف المتفرّج، بل اختارت أن تجعل من الإيمان أسلوب حياة عمليًا. وأشار إلى شبكة واسعة من المبادرات الرعوية والاجتماعية والثقافية التي تشرف عليها الكنيسة، بدءًا من المدرسة، و"بيت الأمثال"، وبيت إفرايم لرعاية المسنين، مرورًا بمركز شارل دي فوكو وبيت الضيافة، وصولًا إلى منصة "نبض الحياة" الإعلامية، ومركز كاريتاس الطبي، وأكاديمية الموسيقى، والدبكة الشعبية، وأكاديمية كرة القدم، وجمعية الطيبة للثقافة والفنون، ونشاطات الشبيبة المسيحية.

وأوضح أن هذه المبادرات تهدف إلى خلق فضاءات للعمل والتعلّم والإبداع، ومنح الشباب سببًا واقعيًا للبقاء في أرضهم. كما لفت إلى مشروع الإسكان الذي تتدخل من خلاله الرعية لمساندة العائلات، مؤكدًا أن البيت في الطيبة ليس مجرد جدران، بل خيار واعٍ بالبقاء، ورابط حيّ بين المستقبل والأرض.

وفي ختام شهادته، أشار الأب فواضله إلى أن الكنيسة، في مواجهة العزلة، تفتح أبوابها للعالم، مستقبلة البعثات الدبلوماسية والمنظمات الدولية ووفود الكنائس، لتحوّل الطيبة إلى شهادة حيّة أمام الكنيسة الجامعة والرأي العام الدولي.

وختم بالقول إن الطيبة، رغم صغر حجمها، هي جماعة حيّة، بإيمان عميق وصمود يومي هادئ، حيث الكنيسة ليست مبنى فقط، بل مدرسة وبيت وملجأ وصوت، يخاطب العالم بهدوء وحزم: نحن هنا، لسنا بقايا تاريخ، بل جماعة حيّة تؤمن وتعمل وتصرّ على البقاء في أرضها، الأرض المقدسة.